محمد محمد أبو ليلة

119

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

ولغيرهم إن الأحبار قد حصّلوا نصيبا من التوراة قد يكون حفظا أو فهما ، و " من " في الآيات المذكورة إما أنها للتبعيض بمعنى أنّ ما كان مع هؤلاء المشار إليهم من التوراة ، لم يكن هو كل التوراة ؛ وإما أنها للبيان بمعنى أنهم حصّلوا من جنس الكتب المنزلة ، أو من اللوح المحفوظ ، التوراة التي جاء بها موسى ، وهي في ذاتها نصيب عظيم « 1 » ؛ ولنا أن نفهم أيضا عبارة " أوتوا نصيبا من الكتب " على أنها إشارة كذلك إلى تحريف التوراة ، وكتب الأنبياء . والتحريف معناه أن كتب اليهود والنصارى ، التي بأيديهم ، يختلط فيها الإلهى بغير الإلهى . يغور الكاتب في زعمه أكثر فأكثر ، إذ يقول : إنه في أواخر العهد المكي وأوائل العهد المدني ، نقل إلينا القرآن أن محمدا كان قد تحدّى بأن يأتي بكتاب يقرؤه الناس بأنفسهم ، فعلى سبيل المثال ، يقول القرآن : أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ( 93 ) ( الإسراء : 93 ) ، يضرب الكاتب هنا في عماية بتجاهله للآيات القرآنية التي أشار إليها هو نفسه ، والتي تتحدى الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، كله أو بعضه ؛ وأن اللّه سبحانه وتعالى قال في مواضع كثيرة في القرآن إنه صرّف في القرآن من كل مثل مقنع ، وأقام فيه من الأدلة الكثيرة الدامغة ، كما أظهر المعجزات بعضهم إلا فجورا وطغيانا ، حتى لقد تركوا الممكن ، وطلبوا المستحيل الذي لا يصلح دليلا على صحة الكتاب . والقرآن نفسه يعد أكبر دليل على صدق الذي جاء به ، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ بل وعلى صدقه في نفسه . قال الكافرون - في الآية نفسها التي أشار إليها المستشرق بطريقة تخدم غرضه - إنهم لن يؤمنوا حتى يفجر لهم محمد ينبوعا في الصحراء ، أو ينشئ لهم جنة حافلة بالنخيل والكروم تجرى خلالها الأنهار وتضطرب فيها العيون بالماء ، أو أن يسقط عليهم السماء كسفا أي قطعا كما توعدهم ، أو يأتي لهم باللّه والملائكة قبيلا ، أو يبنى لنفسه بيتا من زخرف ، أو يرقى في السماء ويحضر لهم كتابا من

--> ( 1 ) الزمخشري . الكشاف ج 1 ص 181 .